حسن الأمين
307
مستدركات أعيان الشيعة
التاريخية منها ، فرأيت في التدريس في معاهد العراق ما يقربني مما أحاوله . لذلك ذهبت إلى العراق مرتاحا منشرحا ، فكان أن عهد إلي التدريس في ثانوية مدينة الحلة المنشأة في نفس العام . في الحلة وكان العراق يستقدم معظم مدرسيه من مصر إذ كانت حكوماته تنشئ في كل عام مدارس جديدة ، لذلك كانت محتاجة في كل عام إلى مدرسين جدد ، فكانت تواصل استدعاء المدرسين من الخارج وكان اعتمادها في ذلك على مصر . ومن طريف ما كان يجري أحيانا أن المدرسة كان يصلها من المدرسين العدد الذي تحتاجه دون أن يراعى الاختصاص فيجد مدير المدرسة أمامه مثلا مدرسا للغة الإنكليزية في حين أنه يحتاج إلى مدرس للتاريخ فيضطر إلى أن يسد فراغ التاريخ بغير المختص بالتأريخ . وهناك قصة تروى عن مدرس لبناني عهد إليه بتدريس التاريخ وهو لا صلة له بهذا العلم ، فكان من مواضيع تدريسه موضوع الدولة البويهية فكان يلفظ كلمة ( بويه ) المضمومة ألباء المفتوحة الواو الساكنة الياء ، كان يلفظها مضمومة ألباء ويجعل الواو حرف مد ، والياء مفتوحة والهاء ساكنة ( بويه ) . وكذلك يلفظ كلمة ( المغول ) المفتوحة الميم ، المضمومة الغين ، والتي واوها واو مد ، كان يلفظها مكسورة الميم ساكنة الغين مفتوحة الواو ساكنة اللام ( مغول ) . ولما جئت مدينة الحلة كان مدير الثانوية عبد الوهاب الركابي وهو من أكفا رجال المعارف ، إداري حازم جيد الثقافة على جانب من طيب الذات وحسن الخلق وإنصاف الناس . جئت أنا على أساس أني مدرس للأدب العربي ، ولكن المدير وجد أن لديه شواغر في الأدب العربي وفي التاريخ الحديث وفي الاقتصاد ، فقسم دروسي بين هذه الثلاثة . وقد وقع اختياري لمدينة الحلة موقعا حسنا في نفسي ، فاسرتنا في الأصل عراقية من الحلة نفسها أو من ضواحيها جاء جدنا الأعلى منها إلى جبل عامل واستقر في شقرا . وإلى الحلة ينتمي العلامة الحلي والمحقق الحلي وصفي الدين الحلي والسيد حيدر الحلي والسيد جعفر الحلي وغيرهم ، وهي أسماء تتردد كثيرا في بيوتنا ومجالسنا ، لذلك وجدتني مسرورا بان أكون في منابت أولئك الرجال وفي الأرض التي خرجت منها أسرتنا . ولم تخيب الحلة اغتباطي بوجودي فيها ، فقد كان يغلب على سكانها الاتصاف بالصفات الحسنة ، وكان كل من اتصل بهم يبعث الاتصال به الثناء عليه ، فضلا عن وجود مجموعة طيبة المعشر أنيسة المجلس نيرة الفكر . لذلك كانت أيامي في الحلة وتلك السنة الدراسية التي أمضيتها فيها من أمتع أيامي وأعذبها . والحلة فضلا عن ذلك من أجمل المدن بفراتها ونخيلها ورياضها وبساتينها ، مما كان مبعثا للشعر والنثر في نفسي فكان مما قلته فيها قصيدة فقدت مني وأتذكر منها هذه الأبيات : ظل على شط الفرات ظليل ومرابع فتانة وحقول ليست تمل العين رائح حسنها إذ كل حسن غيرها مملول وزها الفرات لرائديه وأمرعت في ضفتيه تناؤف وسهول تحلو على الأجراف ثمة بكرة ويطيب في ظل النخيل أصيل يا صاحبي قفا فثمة موقف في الجسر فواح الأريج ظليل تترقرق الأمواه فيه دوافقا فيروق مجرى دافق ومسيل ويلذ للوارد عذب نسيمه وتشوقهم فيه صبا وقبول مناظر الشط الجميلة كم حلا في جانبيك لرائديك مقيل كم وقفة في الجسر عاطة الشذى والماء رهو والنسيم عليل طال الوقوف بنا عليك عشية إن الوقوف على الجمال يطول يا نازلين على لشام وإنكم بين الجوانح في الفؤاد نزول ما لذ ورد للمشوق ولا ارتوى من بعدكم للمستهام غليل يهتاجه الزهر النضير إليكم ويهزه في الرافدين نخيل أوما تزال على كروم ( حريبة ) ترد الملاح عشية وتقيل وهل العيون الدافقات كعهدنا تجري على خضر الربى وتسيل إني ليصيبني الخزام على النوى ويشوقني الزيتون والملول وجد على شحط المزار مبرح وشجى بطيات الضلوع دخيل والواقع أن الفترة التي قضيتها بين التخرج من معهد الحقوق سنة 1934 وبين وصولي إلى الحلة سنة 1938 كانت فترة ركود في إنتاجي الكتابي ولا أستطيع أن أعد منها شيئا يذكر . وكان عهدي الجديد خصبا في هذا الإنتاج افتتحته بمقال في وصف الرحلة من دمشق إلى بغداد ، وكان هذا أول مقال لي في أدب الرحلات الذي كنت مولعا به مطالعة وطامحا إلى الكتابة فيه ، ثم تتابعت بعده مقالات الرحلات التي كنت أقوم بها داخل العراق مما يؤلف جزءا كبيرا في